الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

213

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

هو نفس أعمالكم ، فأي عدالة أفضل وأعلى من هذه العدالة ؟ ! وبعبارة أخرى : فإن الأعمال الحسنة والسيئة التي قمتم بها في هذه الدنيا سترافقكم في ذلك العالم أيضا ، ونفس تلك الأعمال ستتجسد هناك وترافقكم في جميع مراحل الآخرة ، في المحشر وبعد نهاية الحساب . فهل أن تسليم حاصل عمل إنسان إليه أمر مخالف للعدالة ؟ وهل أن تجسيد الأعمال وقرنها بعاملها ظلم ؟ ومن هنا يتضح أن لا معنى للظلم أساسا في مشهد يوم القيامة ، وإذا كان يحدث في الدنيا بين البشر أن تتحقق العدالة حينا ويقع الظلم أحيانا كثيرة ، فذلك لعدم إمكان ربط الأعمال بفاعليها . جمع من المفسرين تصوروا أن الجملة الأخيرة أعلاه تتحدث عن الكفار والمسيئين الذين سيرون عقابا على قدر أعمالهم ، دون أن تشمل المؤمنين ، بلحاظ أن الله سبحانه وتعالى قد جزاهم وأثابهم بأضعاف ما يعادل أعمالهم . ولكن بملاحظة ما يلي ينحل هذا الاشتباه ، وهو أن الحديث هنا هو حديث عن العدالة في الثواب والعقاب وأخذ الجزاء حسب الاستحقاق ، وهذا لا ينافي أن الله سبحانه وتعالى يريد أن يزيد المؤمنين من فضله ، فهذه مسألة " تفضل " وتلك مسألة " استحقاق " . ثم تنتقل الآيات لتتعرض إلى جانب من مثوبة المؤمنين العظيمة ، وقبل كل شئ تشير إلى مسألة الطمأنينة وراحة البال فتقول : إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون . " شغل " : - على وزن سرر - و " شغل " - على وزن لطف - : كليهما بمعنى العارض الذي يذهل الإنسان ويصرفه عن سواه ، سواء كان مما يبعث على المسرة أو الحزن ، ولكن لإلحاقه كلمة " فاكهون " التي هي جمع " فاكه " وهو المسرور الفرح الضاحك ، يمكن استنتاج أن المعنى إشارة إلى الإنسان المشغول بنفسه